فخر الدين الرازي

359

المطالب العالية من العلم الإلهي

والنوع الثالث من الدلائل القرآنية : أنه تعالى شرع في تقرير الدلائل في سورة النحل فابتدأ فيها بذكر الأفلاك ، فقال : « خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ . تَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ « 1 » » . ثم في المرتبة الثانية ذكر الإنسان فقال : « خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ « 2 » » فقوله : « خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ نُطْفَةٍ » إشارة إلى عجائب بدنه ، وقوله : « فَإِذا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ » إشارة إلى [ عجائب « 3 » ] نفسه . ثم في المرتبة الثالثة : ذكر عجائب الحيوان . فقال : « وَالْأَنْعامَ خَلَقَها . لَكُمْ فِيها : دِفْءٌ « 4 » » فذكر عجائب « 5 » أحوال الحيوانات . ثم إنه في المرتبة الرابعة : ذكر عجائب النبات ، فقال : « هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً ، لَكُمْ مِنْهُ : شَرابٌ . وَمِنْهُ : شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ : « يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ : الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنابَ وَمِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ . إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ » [ فجعل مقطع هذه الآية : قوله : يَتَفَكَّرُونَ « 6 » ] وذلك لأنه استدل بحدوث الأنواع المختلفة من النبات على وجود الإله القادر [ المختار « 7 » ] وللسائل « 8 » أن يسأل فيقول : لم لا يجوز أن يكون المؤثر فيه : طبائع الفصول ، وحركات الشمس والقمر ؟ ولما كان الدليل لا يتم إلا بالجواب عن هذا السؤال ، لا جرم كان مجال الفكر والنظر والتأمل باقيا . فلهذا جعل مقطع هذه الآية : قوله : يَتَفَكَّرُونَ ثم إنه تعالى : أجاب عن هذا السؤال من وجهين : الأول : هب أن تغيرات العالم الأسفل ، مربوطة بأحوال حركات

--> ( 1 ) النحل 3 ( 2 ) النحل 4 ( 3 ) من ( ط ) ( 4 ) النحل 5 ( 5 ) عجائب الحيوان ( ط ) ( 6 ) من ( ط ) والآيتين في سورة النحل 9 - 11 ( 7 ) من ( ط ) ( 8 ) ولقائل ( ط )